هيلين تحكي .


 

 

 

 

قبل أن تجيء “ان سوليفان” الى بيتنا كان كثير من الناس يؤكدون لأمي أنني كائن حي أبله .

وأستطيع الان أن أعرف السبب , فقد كان هناك كائن حي صغير عمره تسعة عشر شهراً , لم ينتقل من عالم الضياء الى عالم الظلام فحسب , إنما انتقل الى عالم السكون أيضاً .

فكلماتي القليله قد تبددت , وعقلي مغلول في الظلال , وجسمي النامي تحكمه دوافع حيوانيه .

ولم تكن المصادفه هي التي حررت عقلي من قيوده , وإنما هي مدرسه موهوبه تدعى “اني سوليفان ” .

ولم يحدث أن واجهت امرأه نبيله مثل هذا الموقف الذي واجهته “ان سوليفان ” .

 

 

وإني لأذكر محاولاتها المتكرره لتتهجى بعض الكلمات التي لم يكن لها أي معنى بالنسبه لي , وأصابعها في يدي , وأخيراً حدث في الخامس من نيسان من سنة سبع وثمانين وثمنمائة وألف , أي بعد مجيئها الى بيتنا يشهر واحد , أن نقلت الى ذهني كلمة “ماء” . فقد كنت أقف أمام الماء وأحمل كوزاً في يدي , فألقت قطرات من الماء فوق يدي , وظلت تكرر حروف الكلمه “م ا ء ” بأصابعها في يدي , وفجأةً فهمت وفرحت بالكلمه الجديده التي عرفتها . وأخذت أمد يدي الى يدها المستعده دائماً أطلب مدداً من الكلمات لكي اسمي بها كل ما ألمسه من الأشياء .

وكانت معجزه . ومن ذلك الوقت أصبح يسير جنباً الى جنب كائنان فتن أحدهما بالاخر هما : هيلين والمدرسه .

 

* * *

 

وكانت هذه الكلمات التي تعلمتها كالأشعه الاولى الدافئه التي تذيب ثلوج الشتاء , وبعد هذه الأسماء جاءت الصفات والأفعال , وازداد ذوبان الجليد بسرعه , ولم أستطع أن أتصور كلمات مثل : ماذا , ولماذا , وكيف , وغيرها من الأسماء الموصوله التي تربط بعض الجمله ببعضها الاخر , ولكن بعد أن تعلمت هذه الأسماء لم أعد في أي عزله . والفضل يرجع الى يد المدرسه “آن” , فكل شيء ألمسه يتحول الى كلمه : الأرض والهواء والماء كلها انتقلت الى رأسي بواسطة هذه اليد الرحيمه الأمينه , والحياه التي تغمرني بمعانيها الكثيره بفضل يد المعلمه المبدعه .

 

وكان من أولى خطوات هذه المدرسة أن علمتني كيف ألعب ؟ إنني لم أضحك منذ أصبحت صماء , فقد وضعت يدي فوق وجهها المشرق المتحرك وتهجت كلمة “يضحك ” , ثم دغدغتني فانفجرت ضاحكه , وامتلأت قلوب اسرتي بالسرور . وبعد ذلك قامت بتدريبي على جميع أنواع اللعب , وفي كل حركة جديده تضيف كلمه جديدة , ولم تمض ِ سوى أيام قليله , حتى أصبحت طفله أخرى , أواصل السير في عوالم جديده عن طريق الأصابع الساحرة التي تتهجى الكلمات .

ولم تكن مدرستي “ان” تترك الدنيا من حولي صامتةً , وإنما جعلتني أسمع بأصابعي تثاؤب الإنسان وصهيل الحصان وخوار البقر , وثغاء الحمل , ونقلتني إلى عالم اللمس , وجعلتني على اتصال بكل شيء يمكن الاحساس به أو لمسه : ضوء الشمس , وعصف الريح وصرير الباب , والصوت الجميل .

و”ان سوليفان” هذه ابنة اسره ايرلنديه مهاجره , ولدت في فقر مدقع , وهي تذكر دائماً أنها كانت تشكو من عينيها , ماتت أمها وهي في الثامنه من عمرها , تاركة ثلاثة من الأطفال هجرهم أبوهم بعد سنتين , ولا تدري “اني” حتى الان ماذا حدث للأب بعد ذلك , فقد كف بصرها , وفي معهد (بركنز) للعميان تعلمت طريقة (بريل) في القراءه , وتعلمت الأبجدية , وبعد ذلك أجريت لها عمليه استعادت بها بعض مقدرتها على الإبصار , ولكنها بقيت في المعهد نفسه ست سنوات اخرى , إلى أن تقدم أبي يطلب مساعدتها .

 

 

* * *

 

 

و ” آن ” من أوائل الذين أدركوا تلك الطبيعه المؤلمه التي يعانيها العميان . إنهم يعيشون في عزلة , ويستحقون الإشفاق . وكانت تعد العميان كائنات حيه , من حقهم أن يتعلموا , وأن يستريحوا وأن يعملوا .

وشببت وجعلت أنتقل من مدرسه الى مدرسه , وتنتقل معي ” آن ” , وكانت تجلس الى جواري , وكانت تنقل لي بأصابعها كل ما يقوله الأساتذه في المحاضرات , وكثيراً ما أرهقت عينيها بالقراءة ِ , ونقلت لي كل ما قرأت بالإضافه الى ما أتابعه في مطبوعات بريل .

وتمنت ” آن ” أن تنقل إلي الكلام الطبيعي واستعانت على ذلك بصبر خارق للعاده , فوضعت يدي على شفتيها وجعلتني أحس كل ذبذبه تخرج منها ومن حلقها , ورحنا نردد معاً كلمات وعبارات , حتى أصبحت أكثر مرونه وأكثر إحساساً بنفسي .

والحقيقه المؤلمة هي أنها أخطأت في عدم تنمية أعضائي الصوتيه قبل أن تعلمني النطق , وعلى الرغم من هذا فإنني مضيت وتقدمت , ولم يكن نطقي محبباً , ولكني مضيت أتهته , وكنت سعيده لأنني أخذت ألفظ كلمات كانت تفهمها أسرتي وبعض أصدقائي .

 

 

 ولكن ” ان ” لم تستطع أن تتخلص من رغبتها في بلوغ الكمال ِ ومضت تحمل هذا العبء الشاق دون توقف الى أن مرضت مرضها الأخير , ولم أحزن على شيئ في حياتي قدر حزني عليها . كانت هناك قوة تنتقل إلي من اتصالي بها بعد موتها . وأحسست بالشجاعة وبالرغبه العارمه في أن أواصل البحث عن سبل جديدة , كي أهب مزيداً من الحياه لغيري من الرجال والنساء ممن يعيشون في الظلام والصمت .

 

 

كانت مدرستي تؤمن بي وقررت ألا أخون هذا الإيمان . وكانت تقول لي مهما يحدث لك ِ فابدئي من جديد فتزداد قوتك ِ , وبذلك تحققين هدفاً اَخر . لقد حاولتُ مراراً لا عداد لها وأخفقت , ثم انتصرت ُ في النهايةِ . 

 


 

لتحميل كتاب قصة حياتي العجيبة إضغط هنا 

 لمشاهدة  آن وهي تقوم بتعليم هيلين إضغط هنا

13 تعليق على “هيلين تحكي .

  1. التنبيهات: هيلين تحكي . | الخلاصات العربية

  2. سمــر

    في كل كلمة اقرأها أمل يتدفق .. وحياة ..

    ” ولكن ” ان ” لم تستطع أن تتخلص من رغبتها في بلوغ الكمال ِ ومضت تحمل هذا العبء الشاق دون توقف الى أن مرضت مرضها الأخير ” !!!!

    عظيمة آن وأعظم منها هيلين ..

    بإذن الله سأقرأ الكتاب في أقرب وقت ..

    شكرًا سارة ، تدويناتك خفيفة ومسلية وتبعث على السرور ..
    أنتِ دفء ()

  3. رقـيّة الحربي

    كنت دائماً أقول ياسارة أنّ اندهاشي بقدرةِ هيلين ومتابعتها الحياة -رغم النقصِ الكبير في أدواتِ الحسّ لديها- ليس أكبر أبداً من دهشتي بـ (آن)!
    ،،
    (الإيمان والعزيمة والصبر) مواد النجاح .. لكنّ فعل الخير للآخرين رغم العقبات الكبيرة، والصعاب والأوجاع؛ هو الانتصار الحقيقي والدهشة الخالدة! .. وقد فعلتها( آن) وعلمتها بالتطبيق لـهيلين؛ فأصبحت المعلمة وتلميذتها مصدرَ نورٍ للآخرين ودعمٍ حقيقي وامتدادِ حياة!
    تحيّة لـ(آن) ابتداء، ثمّ لـ(هيلين)، وانتهاءً لكلِّ شخصٍ أكرم ذكراهما..
    ،،
    سارة.. ممتنة جداً للكنز الذي أجده بين دفّتيكِ منذ مدّة 🙂
    ودّي

  4. وصايف المري

    جميل ان يحضرنا في حياتنا شخص مثل ( آن سوليفان ),, شخص وجودة وايمانه بنا هو سر تقدمنا للامام وسر قوتنا..

    اعتبرها صانعة للمستحيل ..

  5. miss-nana

    ماشاء الله عليها آن كيف قدرت تعلم انسانه صماء -عمياء “هيلين” …سبحان الله فعلا مع العزيمه والاصرار لا شيء مستحيل بإذن الله !!!
    عظيمه ..رائعة
    وجاري تحميل الكتاب 😀
    شكرا ساره ،الله يعطيك العافيه يا قلبي :* ()

  6. نوفه

    يالله القصة مره صعبه

    هالمعلمة في قمة العظمة شجاعة ومافقدت الأمل في هيلين لحد ماعلمتها

    سبحان الله وعلم الإنسان ما لم يعلم طريقتها في التعليم مبتكرة

    شكرًا لك هالقصة فيها عبر كثيرة

  7. ♣ S.A.R.A.H ♣ كاتب الموضوع

    سمــر ..
    شكرًا حبيبتي سمر ، خليك متابعتني كذا ، تفرحيني والله (L)

    فيصل الغامدي …
    لا أستطيع لومك ، ما نراه هو من معجزات العصر .

    رقـيّة الحربي ..
    وتحية لكِ على هذا الحديث الجميل والمليء بالتفكر والتأمل
    سعدت كثيرًا بتواجدك الأول هنا ، وسعدت أكثر بالمتابعة .

    وصايف المري ..
    لولا آن ماسمعنا بهيلين ..
    صحيح ، فآن صنعت المستحيل مع شخص يعتبر بنظر الجميع عاجز !
    .
    .
    يسلملي وجودك دائمًا(L)

    miss-nana …
    الله يعافيك يارب ، الكتاب بسيط وجميل ويغلب عليه الوصف .. راح تستمتعين فيه .

    نوفه..
    آن إنسانة محبة ، والحب يعلم العطاء (L)

  8. سهام

    صدق القائل : كاد المُعلم أن يكون رسولا!

    هيلين بإبداعها ونجاحها نتيجة إخلاص آن في عملها .. لو عمل الجميع بإخلاص متفانٍ

    لـوجدنا نماذج كثيرة لهيلين..

    للأسف التدريس لدينا اتخذ مرتبة متدنية بين المهن الأخرى .

    شكراً سارة.

  9. روح السماء

    كانت تقول لي مهما يحدث لك ِ فابدئي من جديد فتزداد قوتك ِ ,

    بعض الأحيان الأحداث الجديدة تقمعنا بشدة إلا أُهيل العزيمة والإصرار أ تدفعهم لـ أن يَبلغو

    أستمتعت بحق

    زَادك الله رفعة ياصديقة

    ()

  10. ♣ S.A.R.A.H ♣ كاتب الموضوع

    سهام ..
    ندرالصدق والأمانة في العطاء يا صديقة :”(

    روح السماء ..
    جميلة هي الأرواح التي تبعث الأمل وتحث على الإيمان ..
    تهب الكثير ..

    ()

    فُصول ..
    شكرًا لك .. سعيدة بهذه المشاركة (F)

  11. ŋOmO

    السلام عليكمـ

    سبحان الله ،،

    عزيمة ، إرادة ، تصميم ، أمل ،،،

    هيلين كيلر كانت كالشمعة المضيئة في عالم مظلم ،،

    شكرا لكِ سارة =)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *