أرشيف الوسوم: الصمم ، البكم ، الإعاقة السمعية ، الرضا ، السعادة ، العائلة

العائلة الخرساء

235

في مدينة «أونفرس» بحي هادئ وسط البلجيكيين، منزلهم حميمي ومرتب ، في الصالون يتفرج الأب باهتمام شديد على مباراة لكرة القدم ، يعضّ على شفتيه وهو يتابع باهتمام أطوار المباراة أو يضرب الكنية بقوة حين يخطئ لاعبه المفضل في تسديد الهدف، كل هذا دون صوت للتلفزيون حتى لا يزعج الجيران، فلا قيمة للصوت داخل البيت ماعدا بعض أنواع الموسيقى الشعبية المغربية التي تحبها ليلى، وتسعد بالرقص على إيقاعها، فهي تذكرها بأفراح الصيف في بلدها المغرب، حتى الأطفال يتابعون الرسوم المتحركة دون صوت، ويتفاعلون مع الحركات لا غير.

استغربنا تلك الأضواء التي تنير المنزل بين الحين والآخر، وكأنها إعلان زفة، ثم أدركنا أنها تدل على أن طارقاً بالباب .

يقول مصطفى ( الزوج ) : “أحببتها لجمالها وشخصيتها المتزنة، ولأنها تنتمي لنفس عالمي الصامت، لم أفكر أبداً بالارتباط بإنسانة عادية، لأن التفاهم مع مرور الوقت سيكون صعباً” . . بينما  تقول ليلى (الزوجة ) بلغة الإشارة: “أعيش معه بسلام وعائلته أيضاً تعاملني بكل مودة، وتتفهم ظروفنا معاً، فالحياة صعبة بالمهجر، ولا يعجبني جو البرد والمطر باستمرار لكن دفء العائلة يسهل كثيراً من المشاكل”. 

بعد مرور عامين على زواجهما رزقا بطفل أسمياه إلياس، كانا ينتظران بشغف أن يكبر كي يطمئنا أن ما أصابهما لن يصيب ابنهما، لكن منذ الأعوام الأولى كشف الطبيب أن إلياس أيضاً أخرس، وسينضم إلى والديه ليعيشوا معاً في عالم من الصمت تقول الأم: “صدمت من الخبر وسعيت لعلاجه، فاقترح عليّ الطبيب عملية جراحية لغرس آلة صغيرة وراء أذنه، ليسمع من خلالها وبالتالي يستطيع الكلام، فالصمم هو الذي يتسبب في البكم عادة، وهي نفس الحالة التي أعيشها منذ طفولتي، أعاني من الصمم، لكنني أستطيع التقاط بعض الأصوات القوية، لكن قلبي لم يطاوعني خفت أن تتسبب له العملية في مكروه، خاصة وأن الآلة، توضع في منطقة حساسة من الرأس فربما تؤثر على ذكائه! وقلت مع نفسي أفضل ابناً أخرس وذكياً على أن يكون ناطقاً بليداً، فألغيت العملية رغم أن كثيرين من حولي عارضوني”. 

236

نفس الترقب الذي عاشه الزوجان مع إلياس عاد مع ولادة سارة، حيث قدر الطفلة الحلوة أيضاً أن تكون خرساء، لكن الله عوض صمتها بجمال باهر وجاذبية خاصة تقول ليلى: “انضمت سارة إلى عالمنا، فهي طفلة جميلة وذكية، ويلاحظ أساتذتها نباهتها وشخصيتها القوية، كل ما أتمناه أن يعيش ولداي في أمان بالمهجر، رغم أنهما يحبان كثيرا جو العائلة في المغرب، بل ويفضلانه على الحياة في أوروبا”.

تمضي حياة هذه العائلة برضا كبير .