أرشيف الوسوم: هيلين

حكايا كانت تُبهجها .

HH33

4326H

41

هيلين كيلَر ـ عمْياء صَماء بكمَاء – في كتَاب [ قصة حياتي العجيبة ]

لتقرأ المزيد عنها اضغط هُنا .

هيلين تحكي .


 

 

 

 

قبل أن تجيء “ان سوليفان” الى بيتنا كان كثير من الناس يؤكدون لأمي أنني كائن حي أبله .

وأستطيع الان أن أعرف السبب , فقد كان هناك كائن حي صغير عمره تسعة عشر شهراً , لم ينتقل من عالم الضياء الى عالم الظلام فحسب , إنما انتقل الى عالم السكون أيضاً .

فكلماتي القليله قد تبددت , وعقلي مغلول في الظلال , وجسمي النامي تحكمه دوافع حيوانيه .

ولم تكن المصادفه هي التي حررت عقلي من قيوده , وإنما هي مدرسه موهوبه تدعى “اني سوليفان ” .

ولم يحدث أن واجهت امرأه نبيله مثل هذا الموقف الذي واجهته “ان سوليفان ” .

 

 

وإني لأذكر محاولاتها المتكرره لتتهجى بعض الكلمات التي لم يكن لها أي معنى بالنسبه لي , وأصابعها في يدي , وأخيراً حدث في الخامس من نيسان من سنة سبع وثمانين وثمنمائة وألف , أي بعد مجيئها الى بيتنا يشهر واحد , أن نقلت الى ذهني كلمة “ماء” . فقد كنت أقف أمام الماء وأحمل كوزاً في يدي , فألقت قطرات من الماء فوق يدي , وظلت تكرر حروف الكلمه “م ا ء ” بأصابعها في يدي , وفجأةً فهمت وفرحت بالكلمه الجديده التي عرفتها . وأخذت أمد يدي الى يدها المستعده دائماً أطلب مدداً من الكلمات لكي اسمي بها كل ما ألمسه من الأشياء .

وكانت معجزه . ومن ذلك الوقت أصبح يسير جنباً الى جنب كائنان فتن أحدهما بالاخر هما : هيلين والمدرسه .

 

* * *

 

وكانت هذه الكلمات التي تعلمتها كالأشعه الاولى الدافئه التي تذيب ثلوج الشتاء , وبعد هذه الأسماء جاءت الصفات والأفعال , وازداد ذوبان الجليد بسرعه , ولم أستطع أن أتصور كلمات مثل : ماذا , ولماذا , وكيف , وغيرها من الأسماء الموصوله التي تربط بعض الجمله ببعضها الاخر , ولكن بعد أن تعلمت هذه الأسماء لم أعد في أي عزله . والفضل يرجع الى يد المدرسه “آن” , فكل شيء ألمسه يتحول الى كلمه : الأرض والهواء والماء كلها انتقلت الى رأسي بواسطة هذه اليد الرحيمه الأمينه , والحياه التي تغمرني بمعانيها الكثيره بفضل يد المعلمه المبدعه .

 

وكان من أولى خطوات هذه المدرسة أن علمتني كيف ألعب ؟ إنني لم أضحك منذ أصبحت صماء , فقد وضعت يدي فوق وجهها المشرق المتحرك وتهجت كلمة “يضحك ” , ثم دغدغتني فانفجرت ضاحكه , وامتلأت قلوب اسرتي بالسرور . وبعد ذلك قامت بتدريبي على جميع أنواع اللعب , وفي كل حركة جديده تضيف كلمه جديدة , ولم تمض ِ سوى أيام قليله , حتى أصبحت طفله أخرى , أواصل السير في عوالم جديده عن طريق الأصابع الساحرة التي تتهجى الكلمات .

ولم تكن مدرستي “ان” تترك الدنيا من حولي صامتةً , وإنما جعلتني أسمع بأصابعي تثاؤب الإنسان وصهيل الحصان وخوار البقر , وثغاء الحمل , ونقلتني إلى عالم اللمس , وجعلتني على اتصال بكل شيء يمكن الاحساس به أو لمسه : ضوء الشمس , وعصف الريح وصرير الباب , والصوت الجميل .

و”ان سوليفان” هذه ابنة اسره ايرلنديه مهاجره , ولدت في فقر مدقع , وهي تذكر دائماً أنها كانت تشكو من عينيها , ماتت أمها وهي في الثامنه من عمرها , تاركة ثلاثة من الأطفال هجرهم أبوهم بعد سنتين , ولا تدري “اني” حتى الان ماذا حدث للأب بعد ذلك , فقد كف بصرها , وفي معهد (بركنز) للعميان تعلمت طريقة (بريل) في القراءه , وتعلمت الأبجدية , وبعد ذلك أجريت لها عمليه استعادت بها بعض مقدرتها على الإبصار , ولكنها بقيت في المعهد نفسه ست سنوات اخرى , إلى أن تقدم أبي يطلب مساعدتها .

 

 

* * *

 

 

و ” آن ” من أوائل الذين أدركوا تلك الطبيعه المؤلمه التي يعانيها العميان . إنهم يعيشون في عزلة , ويستحقون الإشفاق . وكانت تعد العميان كائنات حيه , من حقهم أن يتعلموا , وأن يستريحوا وأن يعملوا .

وشببت وجعلت أنتقل من مدرسه الى مدرسه , وتنتقل معي ” آن ” , وكانت تجلس الى جواري , وكانت تنقل لي بأصابعها كل ما يقوله الأساتذه في المحاضرات , وكثيراً ما أرهقت عينيها بالقراءة ِ , ونقلت لي كل ما قرأت بالإضافه الى ما أتابعه في مطبوعات بريل .

وتمنت ” آن ” أن تنقل إلي الكلام الطبيعي واستعانت على ذلك بصبر خارق للعاده , فوضعت يدي على شفتيها وجعلتني أحس كل ذبذبه تخرج منها ومن حلقها , ورحنا نردد معاً كلمات وعبارات , حتى أصبحت أكثر مرونه وأكثر إحساساً بنفسي .

والحقيقه المؤلمة هي أنها أخطأت في عدم تنمية أعضائي الصوتيه قبل أن تعلمني النطق , وعلى الرغم من هذا فإنني مضيت وتقدمت , ولم يكن نطقي محبباً , ولكني مضيت أتهته , وكنت سعيده لأنني أخذت ألفظ كلمات كانت تفهمها أسرتي وبعض أصدقائي .

 

 

 ولكن ” ان ” لم تستطع أن تتخلص من رغبتها في بلوغ الكمال ِ ومضت تحمل هذا العبء الشاق دون توقف الى أن مرضت مرضها الأخير , ولم أحزن على شيئ في حياتي قدر حزني عليها . كانت هناك قوة تنتقل إلي من اتصالي بها بعد موتها . وأحسست بالشجاعة وبالرغبه العارمه في أن أواصل البحث عن سبل جديدة , كي أهب مزيداً من الحياه لغيري من الرجال والنساء ممن يعيشون في الظلام والصمت .

 

 

كانت مدرستي تؤمن بي وقررت ألا أخون هذا الإيمان . وكانت تقول لي مهما يحدث لك ِ فابدئي من جديد فتزداد قوتك ِ , وبذلك تحققين هدفاً اَخر . لقد حاولتُ مراراً لا عداد لها وأخفقت , ثم انتصرت ُ في النهايةِ . 

 


 

لتحميل كتاب قصة حياتي العجيبة إضغط هنا 

 لمشاهدة  آن وهي تقوم بتعليم هيلين إضغط هنا